الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
380
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
« لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ » ، فإنّه بمعنى : يمنعون البشرى ، أو يعدمونها . و « يومئذ » تكرير ، أو خبر . و « للمجرمين » تبيين ، أو خبر ثان ، أو ظرف لما يتعلَّق به اللَّام ، أو ل « بشرى » ، إن قدّرت منوّنة غير مبنيّة مع « لا » فإنّها لا تعمل . و « للمجرمين » ، إمّا عامّ يتناول حكمه حكمهم من طريق البرهان - ولا يلزم من نفي البشرى لعامّة المجرمين حينئذ ، نفي البشرى بالعفو والشّفاعة في وقت آخر - وإمّا خاصّ ، وضع موضع ضمير « هم » ، تسجيلا على جرمهم ، وإشعارا بما هو المانع للبشرى ، والموجب لما يقابلها . « ويَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) » : عطف على المدلول ، أي : ويقول الكفرة حينئذ هذه الكلمة ، استعاذة وطلبا من اللَّه أن يمنع لقاءهم . وهي ممّا كانوا يقولون عند لقاء عدوّ أو هجوم مكروه . أو يقولها الملائكة ، بمعنى : حراما محرّما عليكم الجنّة ، أو البشرى . وقرئ ( 1 ) : « حُجرا » بالضّمّ . وأصله الفتح ، غير أنّه لمّا اختصّ بموضع مخصوص ( 2 ) غيّر ، كقعدك ( 3 ) وعمرك . ولذلك لا يتصرّف فيه ، ولا يظهر ناصبه . ووصفه ب « محجورا » ، للتّأكيد ، كقولهم : موت مائت . « وقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) » ، أي : وقصدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم - كقري الضّيف وصلة الرّحم وإعانة الملهوف - فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره . وهو تشبيه حالهم وأعمالهم بحال قوم استعصوا سلطانهم ، فقدم إلى أشيائهم ، فمزّقها وأبطلها ، ولم يبق لها أثرا . والهباء ، غبار يرى في شعاع الشّمس ، يطلع من الكوّة . من الهبوة ، وهي الغبار . و « منثورا » - أي : مفرّقا - صفته . شبّه به عملهم المحبط بالهباء ، في حقارته وعدم نفعه ، ثمّ بالمنثور منه في انتشاره - بحيث لا يمكن نظمه - أو تفرّقه نحو أغراضهم الَّتي كانوا يتوجّهون به نحوها . أو مفعول ثالث ، من حيث إنّه كالخبر بعد الخبر ، كقوله : ( 4 ) كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ .
--> 1 - أنوار التنزيل 2 / 142 . 2 - قوله : « غير أنّه لمّا اختصّ . بموضع مخصوص » وهو موضع لقاء العدوّ وهجوم المكروه . . . الخ . غيّر « حجر » لما ذكر ، ولا يتصرّف فيه ولا يظهر ناصبه للإشعار بتغييره عن حالته الأصليّة ، والمراد من عدم التّصرّف : أنّه لا يستعمل إلَّا منصوبا على المصدر . 3 - المصدر . كقدك . 4 - البقرة / 65 ، والأعراف / 166 .